‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص.. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص.. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 16 فبراير 2017

كيد النساء غلب كيد الرجال .

قصة
يُحكى ان تاجر قماش من عكا علق على الجدار خلف مكتبة لوحة كُتب فيها
كَيدُ الرجال غلب كيدَ النّساء ...
و حدث أن امرأة دخلت عليه ذات يوم لتشتري بعض حاجاتها و لما قرأت ما علقه التاجر أبدت امتعاضا شديداً و قالت له . إن كيد النساء غلب كيد الرجال .
و تشارعا ما شاء الله لهُما أن يتشارعا دونما فائدة ثم أن المرأة مضت في سبيلها و عاد التاجر إلى تاجرته..
و طوال الطريق إلى بيتها ظلت المرأة تفكر بطريقة تكسر فيها رأس هذا التاجر العنيد...
صبيحة اليوم التالي تنكرت بثياب امرأة علي مشارف الستين و حملت عكازا ووضعت نظارة سميكة العدسات حتى بدت من دنيا العجائز حقاّ.
دخلت على التاجر فلم يعرفها و قالت له بصوت باهت أيها التاجر إن الله ابتلاني بولد نغص علي حياتي فلا يسمع لي نُصحاً ولا يعير لي سمعاً و انه قد عشق امرأة متزوجة و أنا حاولت ان أثنيه عن ذلك دون جدوى.
تداركت المرأة أنها أفرطت في الشرح و قالت بسرعة : إن ابني قد وعد محبوبته تلك بقطعة قماش لا مثيل لها في عكا . قال لهالا التاجر بسرعة لقد وصلني منذ  يومين ثوب قُماش من اسطنبول ليس له في بلاد الشام كلها مثيل...
قالت له المرأة : هل لي بقصاصة صغيرة منه حتى أعرضها على ابني ليعرضها على محبوبته فوافق التاجر و قام بقص قطعة قماش بحجم الكف  و ناولها للمرأة و مضت في سبيلها .
خرجت المرأة من دكانه و سألت عن بيته فدلوها عليه فذهبت و طرقت الباب ففتحت زوجة التاجر فقالت الرأة: يا بنيتي انا امرأة من مدينة اخرى و قد أدركني وقت الصلاة فهلا أذنت لي بأن أصلي في بيتك .
 رحبت زوجة التاجر بالمرأة أيما ترحيب و جهزت لها ضوء و مكان الصلاة و تركتها لصلاتها و مضت لبعض شؤون بيتها ...
أخرجت المرأة قطعة القماش ووضعتها على السرير و مضت في حال سبيلها ...
ثم إن التاجر عاد إلى بيته بعد الظهر ليرتاح قليلا فوجد قطعة القماش فلم يراوده أدنى شك بأن زوجته هي محبوبة ابن تلك المرأة .
بسرعة ناجى زوجته فحضرت و قال لها اجمعي أغراضك و إلى بيت أهلك  فاستحلفته بالله و بكل نبي مُرسل إلا قال لها ما السبب فأبى و قال أذا عدت إلى البيت قبل أ أرسل في طلبك رأسك و إذا حاولوا إعادتك ألي إياك أن تعودي ...
اغتم التاجر أياما طويلة و تدهورت تجارته .
مرت المرأة بدكانه فرقت لحاله و قالت حان وقت إصلاح الأمور ... عادت إلي بيتها و لبست ثياب العجوز و نظارتها و جاءت إلى دكانه فلما رآها قام من على كرسيه كالمجنون يريد ان يضربها فحال بينهما زبون ...
فقالت له : ما بك؟ ...
قال: لعنة الله عليك و على ابنك ...
قالت له : كل هذا لأجل قطعة قماش أخذتها منك فماذا ستفعل الآن و قد جئت إليك قطعة أخرى لأني لما أخذت الأولي منك أدركني وقت الصلاة فطرقت باب ففتحت امرأة في غاية الأخلاق و الجمال فأحسنت إلي واعدت وضوئي و مكان صلاتي و لكني نسيت قطعة القماش عندها و تهت عن البيت و أريد منك قطعة أخرى .
انفرجت أسارير الرجل وقال : أحقاً ما تقولين  ؟!
قالت له: ما كان إلا ما أخبرتك به .
قال: إليك الثوب بلا مال و خرج مُسرعاً ليعيد زوجته ...
صبيحة اليوم التالي دخل على التاجر غلام أعطاه ورقة و انصرف  و لما فتحها و جد فيها جُملة تقول : ليس لي ولد و لا هنا حبيبة و لكن كيد النساء غلب كيد الرجال .
و من ساعته نزع التاجر اللوحة القديمة و هو إلى اليوم يعلق  على الجدار خلف مكتبة لوحة تقول : كيد النساء غلب كيد الرجال .




.

المصدر \رواية نبض 
أدهم شرقاوي 

أذكروا الله وصلوا ع الحبيب

الاثنين، 9 نوفمبر 2015

ليفربول (كتابات ديك الجن ).

لقبل ما يتزوج بيوم واحد.. كل شاب أردني بكون مقتنع إنه أكل أمّه هو أزكى أكل في الدنيا.. أو على الأقل هذا اللي بحكيه.. طبعا ممكن يكون صادق.. وهو هيك شايف.. وممكن تكون مجاملة.. لكن في حالتنا احنا.. حتى المجاملة كانت مستحيلة... كان طبيخ إمي عبارة عن كابوس.. ابتلاء ربّاني على شكل طعام..
طبعا و احنا صغار ما كنا فاهمين حجم المشكلة.. كانت أي سندويشة بتسلك.. لكن لما كبرنا شوي, وخصوصا مع مشاكل امي وأبوي المستمرة في الموضوع, بدأنا نفهم أبعاد المأساة.. الله يخليها إمي كان بينها و بين الطبيخ بلاد.. يعني الرز مثلا عمره ما كان رز زي ما بعملوه الناس.. كنا يا بنوكله بصورته الطبيعية كحبوب.. يا اما بصورة العجين.. وفي المرات القليلة اللي كان يزبط فيها ويطلع رز زي ما الكتاب بحكي .. كان الملح الزايد يغطي على هذا الانجاز.. المحاشي تقول طالعين من معركة أحد.. ما في حبة محاشي الا وفيها ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم.. أو مقطعة الأشلاء.. والملوخية و البامية و الفاصوليا و غيرهم و غيرهم.. وللأمانة.. العدس تقريبا هو الشيء الوحيد اللي كان زابط..
في ظل هاي الظروف.. كان طبيعي المشاكل بين امي وأبوي تزيد.. ولتفادي التصعيد, وفي اجتماع عائلي على مستوى القعدة.. تم الاتفاق على فترة هدنة مدتها ست شهور.. في هاي الست شهور.. أبوي يتغدى في الشغل.. وما يوكل في البيت أبدا.. وامي من جهتها.. ستضطر على مضض انها تعيد تعلم الطبيخ من كتاب.. وتلتزم بالتعليمات.. لأنه على رأيها.. هي طباخة شاطرة.. بس أبوي ما بعرف طعمة ثمه.. بس بغض النظر, تم الاتفاق وعلى وعد انه بعد ست شهور.. تكون تعلمت الطبيخ زي ما بده أبوي و ترجع الأمور لمجاريها.. أما بقية الشعب المسكين.. أنا وأخواتي الثنتين الصغار.. فكنا مجبرين نوكل تجارب أمي و احنا ساكتين.. بس مش مهم.. المهم وصلنا لمرحلة من السكينة في البيت..
وفي هديك السنة.. كنت أنا صف عاشر.. وفي اخر السنة تقريبا و قبل العطلة بشوي.. اجا رمضان.. شهر الله الكريم.. وكان يجي في الصيف وقتها.. يعني كنا نصوم 30 ساعة.. والفطور أيامها كان بعد التراويح.. وقتها كانوا الست شهور خلصوا.. وبحكم انه رمضان.. كان أبوي مضطر يرجع يوكل في البيت.. وعلى وعد انه أكل امي تحسن.. هو طبعا ما تحسن ابدا.. بس ضافت له طبخات فاشلة من الكتاب.. وجاءت لحظة الحقيقة..
كان أول يوم رمضان.. وامي قررت تعمل مقلوبة.. وأبوي كان مروح من الشغل مش شايف قدامه..واحنا كلنا قاعدين خايفين من ردة فعل أبوي.. و بندعي ربنا انه تطلع الطبخة منيحة.. ومع قولة الله أكبر.. جابت امي سدر المقلوبة العظيم.. مبدئيا كان وجهه محروق.. الدجاج كان شبه ضحايا الحرب.. البطاطا مستشهدة بقصف.. والرز كالعادة.. طبعا انا وخواتي سكتنا و امي كانت مبتسمة بتستنى رد فعل أبوي.. بتذكر وقتها أبوي.. بس أكل أول لقمة.. حط ايده على خده... وسكت.. بعدين رفع ايديه للسما و حكى.. "يا رب.. يا رب تتوب علي من طبيخ هالمرة يا رب!"
واستجاب رب المساكين الصائمين المجاهدين لدعاء أبوي.. في أول أيام العيد، أرسل لنا الله الفرج على شكل حادث منزلي.. زحلقت أمي في المطبخ، وكسرت رجلها ونامت في السرير وهاي كانت بداية رحلتي الشخصية مع الطبيخ..
نامت امي في السرير, وتولوا خواتي مسؤولية التنظيف والغسيل وترتيب البيت.. لكن ظلت شغلة الطبيخ .. وبما إنه أخواتي كانوا لسه صغار عالموضوع، ما كان في على خط الجبهة غيري.. واقترحت علي إمي إنه أنا أبدا أطبخ، بناء على تعليماتها.. كانت فرصة للنجاة.. وبدأت فعلا الطبيخ.. لكن من الكتاب..
البدايات ما كانت مبشرة.. لكن التطور كان سريع و مدهش.. ومع أول طبخة زاكية عملتها.. اكتشفت انه في جواي حب لهذا الموضوع.. وفعلا.. ما مروا شهور العطلة.. الا وكنت أطبخ بشكل مقبول.. حتى انه أبوي في احدى ايام الجمع لما أكل من طبيخي اندهش.. وتم اعتمادي كطباخ البيت الرئيسي..
وقامت امي من السرير.. ومع هيك ظليت أنا الطباخ.. وكان هذا هو الحل اللي أرضى الجميع.. كنت أرجع من المدرسة.. الاقي امي مجهزة المكونات.. وأطبخهم أنا.. وسنة عن سنة.. صرت طباخ محترف.. وحتى في سنين الجامعة.. كمل الموضوع.. وصرت أجيب كتب طبخ لحلويات و معجنات وأطور حالي.. وما خلصت سنين الجامعة.. ولا أنا طباخ لا يشق له غبار..
خلصت محاسبة.. واشتغلت محاسب بشركة كبيرة.. ووقتها طبعا خف نشاطي في المطبخ.. وكنت علمت أخواتي الطبيخ.. واكتفيت بس بعمل الحلويات و العزايم الكبيرة.. لكن حب الأكل و تحضيره ظل موجود في داخلي وفي حياتي كهواية..
عالسبعة و عشرين تزوجت من بنت رجل نوعا ما ميسور الحال.. مش غني غنى فاحش.. لكن رجل أعمال متوسط الحال.. و كان احد زباين المكتب عنا.. بعد الزواج.. وخصوصا بعد أول سنة.. لاحظت انه مستواي المادي أقل من مستوى عدايلي الثلاث.. يعني كلهم مثلا كان عندهم سيارات حديثة وأنا سيارتي وسط.. وكلهم ساكنين في شقق جديدة وملك واحنا شقة عادية و بالايجار.. ومع انها عمرها ما جابت سيرة.. لكن كنت أحس انه هذا الموضوع بدأ يعمل أزمة لأسيل.. انه زوجها أقل منهم.. وفي نفس الوقت.. كانت متطلبات الحياة بتزيد.. وراتب الشركة شو ما كان.. ضعيف.. ومع ولادة أول ولد.. وزيادة المصاريف.. كان ازمة الفلوس بدأت تظهر.. وبعد تفكير مطول.. قررت انه الحل الوحيد لزيادة دخلي وترتيب حياتي اني لازم أعمل عملي الخاص.. ونظرا لخبرتي السابقة في موضوع الأكل و الطبيخ.. كان المطعم هو الخيار الأفضل..
وبعد مناقشة الموضوع مع زوجتي وأهلي.. الكل شجعني عليه.. وتوقعوا لي النجاح الباهر.. وبدأت ملامح الحلم ترتسم في عقلي.. لكن الموضوع ما كان سهل.. وكنت بدي أعمل شي مميز.. عشان هيك قضيت تقريبا سنة وانا أرسم خططي وافكاري على الورق.. ولما رسمت الحلم كامل.. وما ظل الا التنفيذ جمعت مدخراتي.. وساعدني الوالد شوي.. وأخوي شوي.. ومع عيد ميلادي الثلاثين.. قدمت استقالتي من الشركة.. وبدأت مرحلة تحقيق الحلم نحو النجاح..
وبدأت تطبيق خطوات حلمي زي ما هو مرسوم بالزبط.. كان حلمي اني أعمل مطعم يقدم أكل البيت لناس عندهم مشكلة زي مشكلة مثل أبوي زمان.. أكل عربي نظيف و لذيذ و بطعم منزلي.. كنت بحاول أبتعد عن شكل المطعم التجاري اللي بقدم أي شي.. وحتى لو كان السعر زايد شوي.. المهم يكون الأكل طيب..
استأجرت محل في منطقة تجارية منيحة.. في مكان كويس.. قريب من بيتنا في المرج.. تعاقدت مع شركة ديكور.. وعملنا له ديكور لطيف وهادي.. اشتريت عدة مطبخ ممتازة.. وتعاقدت مع 8 موظفين من خريجين معاهد التدريب المهني و الفندقي .. كان فكري انه مطعمي مؤسسة وطنية.. وزي ما هي مؤسسة تهدف للربح فهي كمان تهدف لخدمة المجتمع..
وفي أثناء تركيب الديكورات.. كنت لفيت البلد بحثا عن أفضل موردين الأطعمة و المكونات.. كنت مؤمن انه الاهتمام بتفاصيل التفاصيل هو سر المهنة.. يعني مثلا الملح.. جربت ثمان أنواع قبل ما أختار النوع الأفضل.. البطاطا جربت يمكن ست موردين.. وكان لازم تكون بطاطا طازجة.. أنا أقطعها وأجهزها.. ما كنت بدي بطاطا مجمدة .. الدجاج جربت سبع موردين.. لغاية ما اخترت نوع.. والرز و اللحم و هلم جرا.... وفي أوائل عام ربيع 2013 تم افتتاح مطعم "أطايب"...
بداية العمل كانت مرهقة جدا.. كنا الصبح بنقدم سندويشات بيتية و في فترة الغدا طبيخ عربي منوع.. وفي الليل مشاوي.. واستهلك المطعم كل وقتي.. كانت التفاصيل أكثر مما توقعت لكن الحفاظ على الجودة.. وطموحي الكبير و ثقتي بنفسي وبفريقي و بنجاحي كانوا يهونوا علي كل المتاعب..
بداية المبيعات ما كانت مبشرة.. لكن الناس كلهم حكوا انه المطعم بده فترة لينعرف.. ولازم نزيد التسويق وهيك.. وفعلا.. عملنا حملة تسويق كبيرة شوي.. استنزفت جزء اخر من التمويل.. وبدأت الحركة تزيد شوي..
كنت أشتغل في المطعم من الساعة 6 الصبح للساعة 12 بالليل.. مثل النحلة بين المطبخ والصالة.. والتقييم اللي كنت اخذه من الزباين كان رائع.. كانوا مندهشين من جودة الطعام.. بس مع هيك كانوا معظمهم من كبار السن.. وعددهم قليل..
مروا ست شهور.. ومبيعات المطعم يا دوب مغطية المصاريف.. وبدأ القلق يتسرب لقلبي.. وكل مرة أراجع حالي.. وأرجع أفوت المطبخ وأحاول أعرف وين المشكلة.. انه ليش ما في اقبال.. كان الأكل فعلا لذيذ..
نصحوني بعض الناس انه أنزل الأسعار.. وأعمل حملة تسويقية جديدة.. وفعلا.. نزلنا الأسعار.. وعملنا حملة استنزفت اخر المدخرات.. مع هيك الاقبال ما زاد زي ما كنت متوقع.. كانت فئة الشباب عازفة تماما عن المطعم.. ما بيجينا الا كبار بالعمر.. أو زباين مش من المنطقة ومروا مرور بالصدفة..
دخل الشتا ومعه بدأت الخسارة.. قلت المبيعات بشكل كبير.. وصرت اتأخر بالرواتب.. وصار مدخول المطعم قليل جدا.. مع بدء الخسارة.. كان الوضع في بيتي سيئ.. الكلام اللي كنت أشوفه في عيون أسيل صار يطلع على لسانها.. ونظرات الشماتة من عدايلي والشفقة من أهلي كانت تقتلني..
كان الكل شايف ومجمع انه المطعم فشل.. إلا أنا.. طبعا حاولوا بعض الناس يعزوني.. انه مصلحة المطاعم خطرة.. وهي أرزاق في النهاية.. وانا ما علي ذنب.. لكن شعوري بالفشل كان قاتل.. خصوصا اني بذلت كل ما استطيع في المطعم.. وكنت متأكد انه فش مطعم في عمان كلها بقدم أكل بنظافة الاكل اللي بقدمه.. لكن لسبب ما.. ما نجح المطعم..
مع بدايات الربيع.. كان المطعم فشل تماما.. وبدأت اقتراحات اغلاق المطعم قبل تجديد عقد الايجار.. لكن كان أسهل علي اني أذبح ابني الوحيد ولا اني أسكر حلمي.. الشعور بالفشل كان فوق احتمالي.. وقررت أعمل حملة تسويق جديدة.. لكن ما كان في تمويل.. وكانت بدأت مشاكلي مع الطباخين والعمال وتأخير الرواتب..
وقتها وصلت بين و بين أسيل مواصيلها.. كنت وصلت لمرحلة انه ما عندي أكل في البيت لأنه عندي مطعم.. شيء كوميديا سوداء عالاخر.. وبالاخر طلعت من البيت.. وناداني وقتها حماي.. وقعدنا..
هو رجل فهمان جدا.. قعدنا و تكلمنا.. وتفهم حاجتي انه أكمل حلمي.. بس فكرته كانت انه نسختي من الحلم فشلت.. وانه مع عاطفتي و حبي لشغلي.. لكن لازم أغير شكل المطعم.. واقترح علي انه يساعدني في تغيير شكل المطعم شوي.. ويمكن ينجح الموضوع.. وانه راح يجيب لي شخص يدير المطعم وهو راح يساعد في التمويل كدين.. وما كان قدامي أي بديل.. كنت بدي أنقذ حلمي بأي طريقة..
عرفني على أحمد.. شاب خبرة في المطاعم.. ووقعت عقد معه لادارة المطعم.. وطلب أحمد انه ما أتدخل بشي.. وهو بتعهد بنجاح المطعم خلال أشهر.. ووافقت مضطرا.. جددنا عقد الايجار.. وأول شي عمله أحمد انه روح كل الشغيلة.. وسكر المطعم.. وبدأ حملة لتغيير ديكور المطعم..
كانت فكرته انه الأكل العربي سوقه مش ماشي.. واحنا لازم نواكب الشباب وشو بدهم.. غيرنا اسم المطعم لليفربول.. فريق قدم انجليزي هذا.. وغير ديكور المطعم من ديكور بيتي هادي.. لشي أحمر والجدران كلها صور لعيبة صارت.. وجبات المنسف والقدرة و المقلوبة اختفت.. وحل محلها وجبات برغر وشاورما بأسماء لعيبة أجانب..
غير أحمد كل الموردين تقريبا.. الدجاج صار مجمد.. البطاطا مجمدة.. الخبز بطلنا نخبزه صار جاهز.. المخلل بدل ما كان احنا نعمله من الخيار الصغير صار يجيب خيار عملاق ما حدا بشتريه.. ونعمله في المطعم.. والأهم طبعا انه الموظفين الجداد كانوا كلهم من جنسية عربية.. وبرواتب ما عرفت كيف وافقوا عليها.. وبعد كل هاي التجهيزات والتعديلات.. فتحنا المطعم.. ويوم الافتتاح عمل أحمد ألعاب نارية.. ووجبات مجانية و موسيقى صاخبة و رقص وطبل وهيك..
ولدهشتي الشديدة.. ومع انه مستوى الأكل الجديد كان لا يرقى لربع مستوى الاكل القديم .. إلا انه اللي بعناه في الأسبوع الأول كان بساوي مبيعات احسن شهر في مطعمنا القديم.. ومن خبرتي السابقة.. توقعت انه المبيعات تنزل.. لكن ما نزلت أبدا.. بالعكس.. استمرت وبشكل كبير.. وفوق ما كنت متخيل..
خلال اربع شهور بس.. قدرت أرجع فلوس حماي كلها.. ويومها قعدت معه قعدة طويلة.. حكى لي فيها انه كان عارف من الأول اني راح أفشل, بس ما حب يتدخل .. لأنه اللي بقدم جودة عالية في مجال التجارة بخسر.. في التجارة وفي الحياة.. انت بتتعامل مع مجموع.. ولما تتعامل مع مجموع.. لازم تقدم أقل مستوى مقبول من المجموع.. تحكي بأسهل لغة يفهموها.. وانه أكيد في ناس ما راح يعجبهم منتجك.. بس مش مهم.. نسبتهم قليلة ومش مهمين.. وهذول هم نفسهم اللي كانوا يجوا عندي.. بس مش مهمين.. المهم المجموع.. والمجموع ذائقته خفيفة.. ومع شوية بهارات بقبل أي شي..
طبعا بطلت أداوم في المطعم زي زمان.. ولا بحب ولا بقدر أفوت المطبخ زي زمان.. بروح بس المسا.. بدعي انه ما حدا يتسمم من الأكل اللي بقدمه أحمد.. وباخذ الغلة وبروح.. ورجعت أسيل على البيت.. ورجعت حياتنا سعيد.. وعدايلي نظرتهم الي تغيرت.. بل صار في نوع من الحسد حتى..
هالأيام المطعم ناجح جداً .. وفي فكرة لفتح فرع ثاني.. وأنا بنظر الناس شخص ناجح.. طارد حلمه و حققه.. وأمن مصدر رزق ممتاز لعائلته.. لكن بعيد عن هاي الصورة الذهبية اللي راسمينها الناس، أنا من داخلي مش سعيد.. مش هذا هو الحلم اللي كنت بدي إياه.. هاي هي يمكن النسخة اللي نجحت من الحلم.. بس مش نسختي.. نسختي أنا اللي بتشبهني ماتت.. فشلت.. ونجحت النسخة اللي بده إياها أحمد وبده اياها حماي واللي واضح كمان إنه الناس بدهم إياها.. بس مش أنا .. أنا ولا في يوم فكرت إنّي أعمل مطعم ما أقدر آكل فيه..
- يا أيسر.. عندك وجبتين سواريز دبل مع بيبسي كبير.. وتومة زيادة.. عجل فيهم شوي..
تمت..
ملاحظة : أي تشابه أسماء هو محض صدفة وغير مقصود لذاته.. وبارك الله للناس في أرزاقهم ومصالحهم..
أعلى النموذج


السبت، 11 أبريل 2015

عمَّار

لمّا انولد عمَّار كان عمري ثلاث سنين.. وما بعرف إذا أنا فعليا متذكر لمّا إمي روحت من المستشفى حامليته على إيدها، أو إنه - مثلي مثل الناس - عقلي برسم هاي الذكريات الوهمية ،،وبهيأ لي إنّي متذكر.. لكن الشيء الأكيد إنّي مش متذكر أي شيء من طفولتي قبله..
كنا أسرة سينمائية إلى حدٍّ ما.. أم شابة جميلة في منتصف العشرينات.. وأب ثلاثيني مقتدر، وعايشين في بيت جميل زي إمي ، وبلد عربي مقتدر زي أبوي..
وفي الوقت اللي أنا كنت فيها ماخذ ملامح أبوي القاسية وشعره الأجعد .. كان هو متشرّب كل جمال إمي.. ملامحها.. غمازاتها.. عيونها الخضر.. شعرها.. كل شي فيها.. كان نسخة عنها.. كان عنده كل سبب يخليها تحبّه.. إلا إنّي لغاية الآن بعتقد إنها ما كانت تحبّه.. أو اللي صار بعدين هو اللي ما خلّاها تحبه..
في عمر سنتين تقريبا.. اتضح انه أخوي عمَّار عنده مشكلة في الكلام والتصرفات .. كان كل كلامه صرخات متقطعة ما فيها أي حرف.. وتصرفاته بتدل إنه عايش في عالم ثاني.. وبعد فترة من التخمينات والتطمينات، التشخيص حسم الموضوع.. في عمر ثلاث سنوات.. تم تشخيصه - زي ما حكت لي إمي بعدين وعلى مراحل - بإعاقة عقلية شديدة.. وطيف من أطياف التوحد..
بعد تشخيص حالة عمَّار واليأس من شفاؤه.. راحت السكينة من بيتنا.. وبدأت المشاكل تظهر رؤوسها الصغيرة مثل براعم الشيطان.. .. بدأت بتوتر بسيط على طاولة الغدا.. بعدين أصوات مكتومة ورا جدران غرفة النوم.. لكن شوي شوي طلعت الأصوات خارج غرفة النوم.. وزادت لدرجة إنّي كنت أتخبى وأخبّي عمَّار عنها، وصاحبها تكسير أواني ومزهريات وبكاء وعصبية .. وبعد فترة من المشاحنات، انتهى الزواج السينمائي بطلاق سينمائي.. وأتوقع إنه كان مجزي ماديا لإمّي.. لأنها أبدا ما اضطرت تشتغل..
انفصال أبوي عنّا، وحالة عمَّار الميئوس منها، دخلوا إمّي في حالة إكتئاب شديدة كانت تعّبر عنها بانعزالها وصراخها المستمر.. ويمكن هذا عمل عندها نوع من ردة الفعل تجاه عمَّار بالذات.. يمكن فكرت إنه هو كان السبب أو بشكل أدق، إعاقته كانت السبب .. لكن بكل الأحوال.. النتيجة كانت، إنها كانت تتحاشى تلعب معه بأي شكل وتتهرب من حبه البريء تحت أي عذر..
ما طلعنا من البلد، ظلينا فيها.. لكن رحلنا على بيت أصغر.. وإمّي جابت لنا شغالة تدير بالها علينا.. وتفرغت لحياتها الخاصة.. وكانت هاي أكبر فترة ربطت بيني وبين عمَّار..
بغض النظر عن إعاقته، كانت حياتي معه جداً سعيدة.. ما قدر طبعا يدخل المدرسة.. فظل حبيس البيت.. وكونه أبوي كان اختفى تماما، وأمي طول نهارها بره البيت.. والشغالة ما بتحكي معه.. كنت أنا دنياه كلها.. وكان هذا الشيء يسعدني بشكل لا يوصف.. كنت أول ما أرجع من المدرسة، ألاقي بستناني بصرخاته اللي زي فتى الأدغال.. وأقضي نهاري كله معه..
كنا كثير نلعب، طبعا ما كان لعب لعب زي ما بلعبوا الأولاد.. لأنه كان جاهل بأي نوع من القواعد.. كان تخبيص بس.. لكن كان وقت نقضيه سوا كإخوة.. وبرغم قدراته العقلية المعدومة تقريبا.. إلا إنه كان في نوع من التفاهم البسيط بيننا.. كان يفهم علي شو بدي..
وكبرت.. وكبر عمَّار.. وفي الوقت اللي كان حبه لإمّي يكبر.. كان تجاهلها إله وخجلها منه يكبر.. كانت تنظر لي إنّي أنا الابن الشاطر المجتهد الذكي اللي بتفاخر الناس فيه، وهو الابن المعاق الغبي التي بتخجل منه وبتخبيه عن الناس..
وهذا الشيء بالذات كان سبب الفجوة الكبيرة اللي بيني وبينها..

كنت - برغم كل شيء - بحبه وما بخجل منه... لدرجة مرة - كنت في الصف الخامس يمكن- كان عندي تكريم في المدرسة، كنت من الأوائل.. وكانت حفلة التكريم بعد الظهر ولازم نروح أنا وإمّي .. ولمّا عرضت يجي عمَّار معنا ما رضيت.. كانت مانعة بأي شكل من الأشكال إنه يروح معانا أي مكان عام.. . فضحكت عليه بشي.. وطلعنا بسرعة بدون ما ينتبه، وما أخذناه..
لمّا رجعنا.. كان واضح إنه مش موقّف بكا طول الوقت .. وخابط راسه في الأرض لمنزل الدم من راسه.. لمّا شفته والدم والدموع معبيين وجهه، نسيت كل فرحتي بالتكريم، وركضت عليه.. تركني وراح عند إمّي.. ومع هيك تجاهَلته وصرخت عليه وراحت على غرفتها وسكَّرت الباب.. يومها قلبي انحرق عليه .. كان منظره وهو قاعد على باب غرفتها ببكي.. والشغالة بتحاول توخذه تغسله وهو مش راضي، أقسى من الاحتمال.. حتى أنا لما كنت أحاول أقرب عليه يضربني.. كان يحب إمي أكثر من روحه .. بس ما كان يلاقي منها إلا الصدّ.. يومها بالذات بدأت فعليا أكره إمي.. وقررت إنّي بحياتي ما أتركه.. وأنا اللي راح أعوضه عن كل حب إمي.. وغصب عنها..
صرت لمّا أروح من المدرسة أطلعه معي عالحارة.. عالم جديد بالنسبة إله.. وناس جداد.. ومع إنه الموضوع عمل لي مشاكل لا حصر لها مع إمي.. إلا إنها كانت ولا شي مقارنة بالمشاكل مع الناس..
كانت طريقة عمَّار في إبداء إعجابه بالناس إنه يضربهم.. هيك كان بعمل معي، بس الناس ما كانوا مستوعبين هذا الأسلوب المبتكر.. خصوصا إنهم ما بعرفوا وضعه، وشكله الخارجي لا يوحي بأي شي.. ولغاية ما فهموا هاي الحقيقة، أنا اللي دفعت الثمن..
كنت مرة ماخده معي مشوار لآخر الحارة نشتري شي من المكتبة.. وقتها شفنا ولدين سودانيين توأم، كانوا أكبر مني بسنة، وشرّانيين كثير وكانوا متحركشين في وضاربينني أكثر من مرة .. كانوا ماشيين ومعهم أختهم الصغيرة حاملة آيس كريم..
وبس شفتهم دعيت ربّنا ما يتحركشوا فينا..

وفعلا ربّنا استجاب.. ومروا من جنبنا بسلام.. لكن من غامض علم الله، لمّا صاروا بمحاذاتنا تماماً، قام عمَّار خطف الآيس كريم من أختهم وضربها ووقعها على الأرض وهرب ... حاولت أستغل صدمتهم من الهجوم الوقح والجريء وأهرب أنا الثاني بس ما لحقت.. عمَّار لحاله هرب.. وأنا مسكوني.. وتمكنت في ظل انهمار الضرب الثنائي بالأيدي والأقدام، تمكنت بنص عين أشوف عمَّار جاي بركض لعندي على هيئة منقذ.. وأول شي عمله لمّا وصل، إنّه بلش يضرب في معهم.. بس منيح على كل حال.. هذا اللي وقفهم من الضحك..
ومع هيك، ما زعلت منه.. كان كل شي بعمله على قلبي عسل.. كان أخوي.. دمّي ولحمي.. إبني كان.. أخذته كل مكان.. عالحارة، عالنادي القريب.. عالمسبح.. وعلمته السباحة وسبح كأنه طول عمره بسبح.. حتى إنّي مرة لمّا كبر.. قبل ما أدخل توجيهي بشوي.. أخذته عالمسجد..
كانوا أصحابي إقترحوا علي آخذه عالمسجد يصلي.. وأنا أدعي له.. ممكن ربّنا يستجيب ويشفيه.. وفعلا اقتنعت بنصيحتهم.. وساعدني إنه عمَّار كان يهدأ ويكنّ لمّا يسمع القرآن.. وكنت لمّا أصلي يوقف جنبي ويسوي مثل ما بسوي.. فتشجعت وأخذته معي..
لكن من وحي تجارب سابقة.. أو مصايب سابقة.. اخترت أقل صلاة بكون فيها ناس.. كانت صلاة العصر في رمضان.. وفي مسجد صغير ما في حد.. ما بتكمل فيه الصلاة صفّين..
دخلنا على المسجد.. وفعلا عمَّار ظل قاعد وساكت.. وأقاموا الصلاة وكنا ورا الإمام مباشرة.. وبدأت الصلاة.. طبعا أنا مش مركز نهائيا في الصلاة.. قلبي برجف من أي حركة بعملها عمَّار.. لكن ظل هادي وساكت..
كانت الدنيا رمضان والجو صيف، والإمام تعبان.. قرأ الفاتحة وسورة صغيرة يمكن وركع.. في السجود غمّضت عيوني ودعيت ربّي يشفي أخوي شفاء لا يغادر سقماً.. وفي غمرة خشوعي في الدعاء، واستحضار ألطف الكلام.. صحيت على صوت الأمام بصرخ.. كان عمَّار استغل سجوده ونطّ على ظهره وبلّش ضرب فيه وهو يصرخ بأصواته المميزة ..
طبعا فرطت الصلاة كلّها.. وبألف يا ويلاه ، لفكيناه أنا والمصلين عن ظهر الإمام ، وانطردنا شرّ طردة، وأنا بشرح للناس إنه مسكين.. ما بعرف إذا أفطر الإمام يومها، بس أكيد ما إنقبل له صيام من ورانا..
وبمواقف شبيهة مشيت حياتي مع عمَّار.. وكبرنا.. وصار لازم أدخل جامعة.. ووقتها رحلنا كلنا على عمّان.. وهناك كانت حياتنا على موعد مع تغييرات كبيرة..
وقتها إكتشفت إنه أبونا اللي ما شفناه من واحنا صغار.. كاين شاري بيت إلنا في عمّان وكاتبه بإسمي وإسم عمَّار.. وسكننا فيه.. كان بيت كبير حلو ومعه حديقة وقريب من الجامعة الأردنية..
دخلت هندسة ميكانيك.. وفي نهاية السنة الأولى عرفنا إنه أبوي مات والمحكمة حولت لنا ورثة محترمة.. وطبعا إمي كانت الوصي على فلوس عمَّار .. بعدها بأشهر، إمي قعدت معي وحكت لي قرارها الغريب.. حكت إنه في شخص مناسب تقدم لها وهي موافقة... وإنّه هي تعبت وضحّت عشاننا، وإحنا كبرنا وتطمنت علينا، وبدها تشوف حياتها.. كانت في منتصف الأربعين.. وطبعا هذا حقّها.. لكن العريس كان هو المشكلة..
كان أصغر منها بعشر سنين.. ومع إنّي كنت وقتها شاب صغير، إلا إنّي ميزت من أول قعدة معه نوعيته.. كان من النوع اللي بستغل وسامته وكلامه المعسول و وحدة النساء للحصول على فلوسهم..
طبعا ما كان مناسب إنّي أرفض ولا منطقي.. لكن خوفي الأساسي كان من ردة فعل عمَّار.. خصوصا إنه عريس الغفلة كان راح يعيش معانا في البيت..
تزوّجوا.. وراحوا شهر عسل على تركيا.. وكانت لأول مرة بتترك عمَّار.. ومع إنه كان كبير وقتها.. إلا إنه الموضوع أثر عليه.. لكن الأثر الأكبر كان لمّا رجعوا من شهر العسل.. وعاش زوجها معنا في البيت.. بدأت الحياة الحقيقية وبدأت معاناة عمَّار.. 


...

ورجعت إمي وزوجها من شهر العسل.. طبعاً كشاب في الجامعة، كان صعب جداً علي أتأقلم مع حقيقة إنه في شاب غريب عايش معنا في البيت ، وهو زوج إمّي!!! لكن لو أنا ساعدتني الحكمة وطبيعة الأشياء إنّي أتفهم الموضوع ، فعمّار كان عاجز تماما عن فهمه..
كان الوضع سيء للجميع، كان في شبه إحساس بالذنب - غير المفهوم - من جهة إمّي وعريسها وإحساس بالضيق من جهتنا.. ومع إنه أنا ومصطفى (زوج إمّي) وإمّي كنا بنتصرف بنفاق الكبار ومجاملاتهم، عمَّار بطفولته كان مختلف..
كانت نظراته لمصطفى قاتلة، وبتدلّ إنه في ردة فعل عنيفة تطبخ على نار حامية.. عشان هيك كنّا نظل دائماً على أعصابنا خوفاً من أي ردة فعل مفاجئة لا يحمد عقباها.. ومصطفى من جهته، كان ذكي وفاهم الموضوع تماماً،. عشان هيك كان يتجنب أي حركة تقارب مع إمي بوجود عمَّار ، وبوجودي بالضرورة، إنّما بصورة أقلّ..
لكن التصابي والفرحة اللي كانت إمي عايشيتها في شهر العسل، نوعاً ما أعمت عيونها عن حساسية عمَّار.. وما أخذ الموضوع أكثر من يومين قبل ما يهاجم عمَّار مصطفى الهجوم المحتوم ...
كانت إمي في المطبخ بتعمل معجنات، وعمّار قاعد عندها ، ماسك كتاب الطبخ بالمقلوب ، وبلعب بمرقّ العجين.. دخل مصطفى المطبخ، غافل تماما عن ترتيبات القدر.. وإمّي الله يصلحها، يبدو إنّها حطت إيدها على خصره.. وكانت هاي إشارة البدء لعمّار..
في أقل من ثانية، كان مرقّ العجين معبي وجه مصطفى دمّ وطحين.. ولولا سرعة تدخّل إمّي والشغالة، كان مصطفى راح فيها..
لمّا وصلت المطبخ أنا كانوا بعّدوا عمَّار عن مصطفى، ومسكته أنا فوراً.. طبعاً مصطفى بيّن إنه الموضوع عادي، وإنّه عمَّار عقله عقل طفل وما عليه عتب.. لكن هذا ما كان مهمّ... موقف عمَّار بعد هيك كان هو الحدث الأساسي..
كانت إمّي منحنية على عريسها وبتمسح عنه الطحين والدمّ.. وبنفس الوقت كرهانة كل وجود عمَّار ونفسها تنشق الأرض وتبلعه.. كانت بتصرخ عليه وعيونها كلّهم حقد.. وهو لأول مرة كأنه بحاول يحكي حوار.. كإنه إعاقته كلها إختفت وما في شي بمنعه من الكلام إلا لسانه.. كان يصرخ ويأشر ويبكي بنفس الوقت.. ويحاول يحكي ويشرح بس لسانه خانه.. وشفت في عيونه إنّه ما كان فاهم شو صاير.. بالنسبة إله كان بحمي إمّي وهي بتبهدل فيه... هدّيته وأخذته على غرفته وأنا ماكل هم الأيام اللي جاي..
بعدها صرت أحاول ما أتركه في البيت إلا مسافة ما أكون في الجامعة.. لأني عارف قديش بحبّ إمّي وقديش هي وزوجها بكرهوه.. وعلى قد ما كنت خايف من ردة فعله، كنت خايف عليه.. ووقتها صرت أشوف تغييرات على عمَّار بحياتي ما شفتها..
كنت أرجع من الجامعة ألاقيه في غرفته.. ساكت ما بحكي شي.. ولا بعمل شي.. الحيوية اللي كانت فيه اختفت.. حتى لمّا يشوفني ما يتحرك.. كأنه بعالم مختلف تماماً.. كان واضح إنه في إشي كسره.. بس أنا ما كنت عارف شو هو.. وحتّى لمّا سألت إمّي جاوبت بعصبية إنه يروح ينصرف عمَّار.. ما صار له شي..
بعدها صار عمَّار لازم ينام معي على التخت كل يوم.. وتقريبا كل يوم يصحى من الكوابيس مفزوع.. كان وجود مصطفى في البيت عامل له أزمة كبيرة.. أو على الأقل هذا اللي كنت متصوره..
بعد أسبوعين تقريبا من حادثة المرقّ ، كان يوم جمعة.. أخذت عمَّار أحممّه.. كنت أنا متولي تحميمه من زمان.. وأنا بليف بإيده توجّع.. وصرخ.. تطلعت مكان الوجع منيح ، ولا في أثر ضربة.. كدمة صفرا كانت.. طبعا كنت متعود إنه عمَّار دايما جسمه كدمات كونه كثير حركة ونطّ.. ومن زمان بأذي حاله.. بس المرة هاي ما بعرف ليش شكيت إنه ممكن يكون مصطفى اللي ضربه.. وطبعا ما في وسيلة نعرف.. لكن الشك انزرع..
وكعادة الأيام اللي ما بتخبي شي.. بعدها بيومين من الجامعة ، ولقيت عمَّار في غرفته وعينه زرقا ونافخة.. وإمّي وجوزها طالعين بره وتاركينه مع الشغالة..
بدون وعي مسكت الشغالة، ومن خوفها مني حكت كل الحكاية بسرعة.. كاينة إمي بدها تطلع مع مصطفى ، وعمّار مسكها عشان يمنعها .. ولمّا إشتد النقاش ، عمّار حاول يضرب مصطفى، فراح مصطفى ضربه ودفعه و طلعوا..
وبكل الحقد اللي في العالم استنيت رجعتهم.. ولحسن حظ الجميع إنه رجعتهم ما طوّلت.. أول ما حطّ المفتاح في الباب وهو بتضحوك مع إمي كنت فتحت الباب وتناولته..
أنا فعليا ما كنت بضربه.. كنت بضرب كل لحظة إمي أهملتنا فيها، كل لحظة زعلت فيها عمَّار.. كل لحظة كرهت فيها جمالها وجسدها اللي شغلوها عنّا.. كل لحظة كنت أشوف ابتسامتها للناس وننحرم منها إحنا.. كل لحظة أكلنا فيها لحالنا.. وخفنا فيها لحالنا.. ونمنا فيها لحالنا.. كنت بضرب حبّها للرجال وضعفها أمام الرجال.. ابتساماتها القاتلة إلهم وأنا طفل مراهق.. كنت بضرب كل شي بكرهه فيها.. كنت بضربها هي فعلياً.. لكن في جسد مصطفى..
طبعا من شدة الضرب ، خافت هي إنها مجرد تقرب.. كانت واقفة ومصدومة!! حتى عمَّار كان خايف وتخبى ورا الكنباية.. ما قمت عن مصطفى إلا لمّا غيب.. وبدون ولا كلمة.. مسكت أخوي عمَّار وطلعنا من البيت..
كان انفهم طبعا إنّه مصطفى ما ظل له قعدة معنا.. وبس رجعنا ما كان موجود.. وإمّي ما حكت معي ولا كلمة.. وهو طبعا كان أجبن من إنه يشكي عليّ.. لأني عارف شو كان بدّه.. كان بدّه فلوسها.. وأنا مش مهم عنده..
ثاني يوم برضه ما حكينا مع بعض.. واليوم الثالث، قعدت معها ، وحكت لي بلهجة اللي اتخذ قراره، إنه حياتها خربت بِما فيه الكفاية، وإنّه هي ومصطفى راح يستأجروا بيت ثاني.. وراح تزورنا كل فترة.. وما حاولت حتى تعتذر عن اللي عمله مصطفى..
طبعاً كنت متوقع ردة فعل شديدة منها، لكن مش لدرجة إنها ترحل مع زوجها.. ومع هيك، فإن سنين طويلة من برود العلاقة كانت كافية إنه ما يظهر عليّ التأثر بالقرار.. حكيت لها إنه أنا بتمنالها كل خير وما كان عندي مانع.. بس طلبت إنها ترتب شنطها وتطلع بدون ما عمَّار يشوفها.. وفعلاً.. أخذت عمَّار عالمسبح ولمّا رجعنا كانت رحلت..
الوضع كان سيء أكيد على عمَّار.. لكن لأول مرة ما قدرت أفهم ردود فعله.. كان مرات يكون حزين وصامت.. ومرات عايش حياته عادي.. وعشان أسليه ، جبت له حيوانات أليفة.. جبت له عصافير وسمك.. لكن كلهم كانوا يموتوا.. دفعني راتبي عصافير وسمك.. العصافير إما يطيرهم أو يقتلهم وندفنهم أنا وإياه.. والسمك يوم أرجع ألاقيه فاردهم على الأرض وبلعب معهم.. أو معبي الحوض شامبو وبعمل فقاقيع..
ما عاش عنده إلا بسّ بُنَي.. صار صحاب هو وإياه..

عاشت إمّي مع مصطفى سنة وشهرين.. وكانت تزورنا خلالها.. زيارات أسبوعية أولها، وشهرية بعد هيك... وفي آخر أيامها معه ، كنت أشوف في عيونها بعيون الإبن إنها مش مبسوطة.. وإجا أخيراً اليوم اللي خلصت فيه مغامرتها ورجعت على البيت بشنطة أواعيها..
طبعا ما كان في داعي تحكي لي شي.. كل شي كان واضح.. طلّقها مصطفى بعد ما أخذ منها كل شي.. حتى ذهبها أخذه وباعه.. ما ظل معها إلا تاج ذهب أبيض كان أبوي جاب لها إياه على ولادة عمَّار.. هذا الوحيد اللي ما باعته.. كانت جداً تحب هذا التاج.. ومرات كثير تلبسه في البيت..
بعد رجعتها كانت مكسورة كثير.. كإن الحيوية المفاجئة اللي أعطاها إياها زواجها من مصطفى، راحت وسحبت معها روحها.. عيونها الخضر ذبلوا وإسودّ تحتهم.. عودها نفسه ذبل ونحفت كثير.. حتّى مشيتها وجسمها اللي ياما اعتدّت فيه كان أشبه بخيال.. وغطت الشيب بشال صوفي.. كان واضح إنها كبرت في هاي السنة عشرين سنة..
واعترفت لي في لحظة صفاء روحي ، من هلي اللحظات اللي ما بتتكرر، إنها أخطأت كثير كثير.. بحقّنا وبحقّ نفسها.. وطلبت السماح .. حضنتها وسامحتها، وكنت لأول مرة بحسّ فيها كإمّي.. حتّى علاقتها مع عمَّار تحسّنت.. لدرجة كانت تنيمه عندها في الغرفة..
لكن طبيعة الأيام اللي ما بتتبدل، ما أعطتها وقت كثير تكفّر عن ماضيها.. بعد رجعتها بأسبوعين كان طبيب شاب بشرح لي بأسلوب الأفلام المصرية في ممر أزرق من ممرات مستشفى الجامعة، إنه سرطان في المعدة والأمعاء ومنتشر وفي مراحلها الأخيرة..
عاشت بعدها أسبوع أو أكثر شوي.. ما لحقت تخرجي حتى.. لكن كان هذا الأسبوع من أجمل أيام عمَّار.. ما كانوا يفترقوا أبداً.. وطول نهارهم مزح وضحك وحبَ.. ولدهشتي الشديدة، بدا إنه عمَّار استوعب فكرة مرضها وموتها.. حتى راح بكل براءة حفر لها قبر صغير في الحديقة جنب قبور عصافيره وسمكاته ..
بعد وفاتها، عمَّار حط كل ملابسها وتاجها الذهب في صندوق خشبي أسود كبير.. وحطّه في غرفته.. وكان مرات بس أرجع من الشغل ألاقيه لابس فستان من فساتينها ..
بعد موت إمي بسنتين تقريبا ، شعرت إنّي لازم أتزوج.. كنت بدي حدا معي يحمل معي هالحياة.. وكنت جاهز من كل النواحي.. عندي بيت وشغل وفلوس.. ومش ناقص إلا عروس تشاركني هالدنيا.. وما كان بدي منها إلا شي واحد.. ترضى بوجود عمَّار الدائم في حياتنا .. وبدأت عملية البحث عن هاي القديسة..
تم الجزء الثاني..
الجزء الثالث ..
طبعا عشان أكون واضح وصريح مع الناس، كنت بخبّر أي حدا بسأله عن عروس بشرطي الوحيد، بدي زوجة تقبل تعيش معي في بيت فيه أخوي.. وكان هذا شرط صعب جداً عند الناس..
في معظم الحالات، كانوا الناس يرفضوا رفض قاطع.. وجزء بسيط منهم يوافق على زيارة مبدئية يشوفوا فيها عمَّار.. كان بهمّهم عمَّار ووضعه أكثر من العريس نفسه..
طبعا كنا نروح نزورهم، ولأنه عمَّار وقتها كان كبر وصار شاب طول بعرض وحليوة وعيون خضر ، كان التفكير المتمني - لو جاز التعبير - يهيأ للستات خصوصا إنّه هو العريس.. ويصيروا يدوروا في وجهي أنا على الإعاقة العقلية..
طبعا أول ما أبدأ الكلام يفهموا القصة، وتظهر نظرة "سبحان الله" على وجوههم.. وفي غالبية الحالات، كان الرفض المؤدب .. تحت بند الحمو الموت، والناس قدرات.. ينهي الزيارات القصيرة.. ولو صدف وكان عندهم حوض سمك، كانت الزيارة تنتهي بسرعة أكبر من المتوقع..
لغاية ما في يوم دلّتني صاحبة لخالتي على بيت ناس في ضاحية الرشيد.. وطلبوا يشوفوني أنا وعمّار.. وكنت أول مرة بشوف فيها ميس ..
استقبلنا عمّي أبو أحمد بكل ودّ وترحاب.. رجل في الخمسين.. لحية بيضاء خفيفة وابتسامة دافئة وجسم ممتلئ بتغطيه دشداشة بيضا جميلة..
بدا كإنه أستاذ متقاعد.. ومن هاي النوعية اللي بتتفاءل بس تشوفهم.. بمنحوك طاقة إيجابية بمجرد إنك تشوفهم.. حتّى كان فيه شبه من إمام المسجد اللي صلينا عنده زمان..

دخلت أنا وعمّار لابسين مطقّمين.. وأنا بدعي الله تمرّ هالطلبة على خير.. سلّمت على الرجل وعرفته على عمَّار.. وأول ما شاف عمَّار إبتسم له.. فعمّار طبعا بعرفش يسلم.. مش من هواياته السلام على الناس.. لكن لمّا شاف الزلمة وقّف هيك شوي ، وصفن فيه.. أنا قلبي صار في رجلي.. إجيت أمسك عمَّار وأبعده.. راح عمّي أبو أحمد أشّر لي أتركه.. وتركته وأنا ببسمل وبحوقل.. وبكل هدوء قام عمَّار رفع إيديه لفوق وقربهم على وجه الزلمة.. ومسك ذنيه شوي.. شدّهم كأنه بتأكد ما بنفكوا.. وتركهم.. وقعدنا..
قعدت أنا والزلمة، وحكيت له قصتي باختصار.. إنه احنا أيتام، وعمّار ما عنده غيري.. وأنا مهندس وبشتغل شغل منيح.. والوالد ترك لنا ورثة منيحة..
طبعا الرجل مدح في وفي أخلاقي وموقفي تجاه أخوي.. وبدأ يذكر قصص اللي بتخلوا عن أهلهم..

بعدها دخلت حماتي.. ست بشوشة هي الثانية، لكن واضح إنها ما كانت بتشارك حماي نظرته المتفائلة تجاه عمَّار.. كانت أقرب لإنها جاي تستكشف..
قعد عمَّار هادي.. وقعدنا وحكينا.. وفي وسط الحديث دخلت ميس حاملة القهوة.. فتاة محجبة.. نحيفة شوي.. ملامح عادية.. لكن فيها رقّة مهندسين الديكور.. وهي فعلا طلعت مخلصة تصميم داخلي .. وعيونها كانوا حلوين وفيهم ذكاء.. اجت تقدم القهوة.. وبدأت بعمّار.. قام أخذ منها الصينية كاملة.. وحطها قدّامه.. ضحكت وسكتت..
حكينا وحكينا .. وتعرفت عليها أكثر.. والجماعة حكوا إنهم بشكل مبدئي ما عندهم مانع.. بس بشرط يقضوا معنا أنا وعمّار وقت أطول حتى يقدروا حالته..
طبعا ظهرت من عمَّار بعض الحركات أثناء زياراتنا.. لكن تمت الخطبة على خير.. ووقتها بالذات ما جبت عمَّار معي.. كونه مش ناقص مواقف محرجة أنا..
بعد الخطبة بفترة تقرر نكتب الكتاب.. وليلة كتب الكتاب، عزمنا عمّي أبو أحمد عالعشا.. وهو مقرر إنه يصير صحبة مع عمَّار.. كان وجهة نظره إنه الناس زي عمَّار ما بدهم إلا حدا يحبهم.. وبعدها بصيروا أصحاب.. وهذا اللي كان دايما يحكيه لميس عشان يشجعها..
قعدنا على طاولة العشا.. وميس (أو هيك قالت حماتي) كانت عاملة الجاج المحشي والملوخية.. وقعدت عمَّار جنبي.. وقعد عمّي ومرة عمّي قبالنا.. وبدأنا العشا.. وعمّار كان من الناس اللي بحبوا المخلل.. فلاحظ صحن مخلل قريب على عمّي وبعيد عن متناوله.. قام مدّ حاله عبر الطاولة وطال حبّة منه وأكلها.. وهون بدأ عمّي يحكي.. "شايفة يا بابا يا ميس، يعني واضح إنه بحب المخلل.. شوفي شو راح أعمل.." قام حمل صحن المخلل كله ولفّ من ورا الطاولة وحطّه قدام عمَّار.. ورجع على طاولته كإنه فتح غرناطة.، ورجع يحكي.. "هيك يا بابا.. هدول الناس ما بدهم إلا الحبّ.. إنت عامليه هيك بترتاحي وبتكسبي أجر كبير إن شاء الله.. والله إلك الجنّة يا بابا"..
وهو بسولف عن الجنّة.. راح عمَّار وقف.. وحمل صحن ملوخية بغلي من قدّامه.. طبعا أنا قلبي وقّف معه.. وقلت في عقل بالي.. "لو عمل عمَّار أي عملة، هذا بكون العشاء الأخير.." عمّي لاحظ ارتباكي.. وقال "لا لا عمّي إتركه.. أنا صحبة مع عمَّار.. تعال عمَّار عمّو.."
فعمّار عمّو ما كذب خبر.. قرّب عند الزلمة عشان يردّ جميلة المخلل وفتح غرناطة .. ودلق صحن الملوخية في ظهره للزلمة.. وليوم العرس وهو بحطّ كريمات على ظهره..
وتزوجنا..

تم الجزء الثالث..
الجزء الرابع والأخير..
بعد الزواج، بدأ عمَّار ينظر لميس نظرة شبيهة لنظرته لمصطفى زوج إمي اللي يرحمها.. وإن كانت أخفّ حدة،، وفهمتها لميس إنه ممنوع أي نوع من التقارب قدام عمار.. لأنه بشوفها كتهديد إله في علاقته مع أخوه..
وعاشت معنا ميس في البيت.. كانت نعم الزوجة.. وشوي شوي بدأت تتعود على وجود عمَّار.. زي ما الإنسان بتعوّد على وجود نمر أليف في بيته.. لا هو قادر يخاف منه دايما.. ولا قادر يتطمن له..
تعايش مع قلق.. خصوصا إنه ما صار في نوع كثير من الودّ بينهم.. تعايش بس..

وحملت ميس.. ومع مرور شهور الحمل كانت تتعب بزيادة.. ويمكن في لحظات معينة ندمت على الزواج منّي.. أنا ما كنت مقصّر معها.. لكن يبدو تصورت الحياة مع النمر عمَّار ومع بسّته راح تكون أسهل من هيك..
ما وصلت الشهر السابع إلا كانت مرهقة تماماً.. وانتقل الإرهاق النفسي إلي.. كان من السهل عليّ أعيش مع عمَّار.. عشت عمري كلّه معه.. لكن أنانية الإنسان خلّتني أشوفه عبء على عائلتي.. خصوصا مع شكاوى ميس اللي كنت أشوفها بعيونها.. وكنت ألتمس لها العذر.. وكنت خايف أكثر شي من لحظة ينفجر معها هذا الإرهاق والأنانية ضد عمَّار..
كان يوم جمعة.. وميس كانت بتنظف البيت.. رجعت من صلاة الجمعة.. ولقيت الشغالة بتولول.. دخلت على غرفة عمَّار فوراً.. لقيت ميس على الأرض ووجهها دم ومعها نزيف.. وعمّار واقف على سريره بصرخ عليها بأصواته ..
بدون أي وعي وقبل ما أشوف ميس ضربته.. كانت لأول مرة بحياتي بضربه.. وحملتها فورا وطلعت على المستشفى.. ويومها ولدت ياسمين..
كاينة ميس طالبة من الشغالة تنظف البيت.. وتعزل الغرف قبل العيد.. ولمّا داخلين غرفة عمَّار.. ميس طالبة من الشغالة تزيح صندوق أغراض إمّي وتنظف تحته.. ووقتها هاجمها عمَّار..
ظلت ميس في المستشفى فترة بعد الولادة.. لغاية ما طلعت ياسمين من الخداج.. وبعدها روحت على بيت أهلها ترتاح.. كانت مش آمنة نهائيا على حالها وبنتنا من عمَّار..
وقتها عمَّار كان زعلان مني كثير.. وأنا كنت زعلان منه وشفقان عليه.، بس كنت دايما أذكر حالي إنه ماله ذنب.، وهو أخوي وأنا بحبه.. مش بشفق عليه..
لمّا صار عمر ياسمين 4 شهور رجعت ميس.. وجبت شغالة ثانية وظيفتها بس تحرس ياسمين.. لكن اللي صار بعدها كان جداً محيّر.. طبعا ياسمين انولدت بعيون خضر.. وفيها شوية شبه من إمّي الله يرحمها..
عمَّار من يوم ما شاف ياسمين وهو تحوّل.. صار إنسان ثاني.. صار طول اليوم واقف بس يتطلع عليها بكل حبّ.، حبّ خلّا ميس شوي شوي.. تتطمن إله ولوجوده.. وتتركه مع ياسمين..
وكبرت ياسمين وهي روح قلبه لعمّار.. هو علّمها المشي.. والركض.. واللعب بالرمل والمي.. وهو لمّا كنا نطلع يجيب الها الألعاب.. وهو يطعميها بإيده.، كانت بالنسبة إله، إمّه اللي انولدت من جديد..
السنة كانت ياسمين بطلة مسرحية الصف الرابع في مدرستهم.. وكانت في دور أميرة.. الدور اللي مثلته كثير وتدربت عليه قدام عمَّار..
أخذنا عمَّار ورحنا نحضر المسرحية .. وبس خلصت المسرحية وزقفوا الناس.. قام أخوي عمَّار وطلع على المسرح ووصل لعندها.. وقدّام كل الناس.. شال التاج البلاستيك اللي على رأسها.. ولبّسها تاج الذهب الأبيض تبع إمّي الله يرحمها..
ونزل وسط تصفيق حادّْ..

كل إنسان فينا عنده نقطة ضعف.. نقطة بخجل منها وبتخليه يحسّ إنه أقل من الناس.. ويمكن بدونها يعيش حياة أفضل..
لكن أنا عندي إيمان عميق.. إنه يمكن نقطة الضعف هاي موجودة عشان تبني حياتك وقوتك حواليها.. وممكن تكون هي الدافع لحياة أفضل.. ويمكن بدونها، ما كانت راح تكون حياتك بهذا الجمال.. وفي حالتي.. نقطة القوة هاي.. كانت عمَّار..
تمت..
‫#‏كتابات_ديك_الجن‬
- كل الشكر والتقدير والاحترام لكل أم وكل أب وكل أخ وكل أخت شرّفهم الله بالاعتناء بهؤلاء الملائكة في الصغر والكبر.. ولا نستطيع نحن أن نجازيكم.. الله وحده يفعل ذلك..
- القصة مبنية على طفلين وأمهما شاهدتهم أثناء قضائي عطلة في أحد الفنادق.. وخلال يومين شاهدت خلالهما هذه العائلة.. كان الأخ الأكبر ذو الثمانية أعوام مثالا حقيقيا لما قرأتموه.. أما عمَّار، فكان أطرف وأجمل بكثير..